العلاقة بين الإسلام والإيمان .. في القرآن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

العلاقة بين الإسلام والإيمان .. في القرآن

مُساهمة من طرف waleed في السبت أبريل 26, 2008 2:30 pm

[


محمد عابد الجابري


خصصنا المقال الأول من هذه الحلقات، التي يدور موضوعها حول "العقل والإيمان" في الإسلام، لعقد مقارنة سريعة بين مفهوم الإيمان في الديانات التوحيدية الثلاث. وبما أن موضوع الإيمان هو من "المغيبات"، وبما أن في الدنيا منذ قديم الزمان منجمون وكهان، فقد يكون من المفيد لمن هم من هذا الصنف من "الناس والشياطين" (1) أن نسهل عليهم المهمة، عساهم يتميزون قليلا عن "ولا الضالين"، فنخبرهم أن هذه المقالات مستقاة من بحث طلبت منا مجلة مسيحية كاثوليكية دولية تصدر بلغات متعددة إنجازه، وكان ذلك إثر ردود الفعل التي قامت في العالم الإسلامي إثر خطاب البابا، والتي ساهمنا فيها بمقالات نشرت متسلسلة على هذه الصفحة. وكنوع من التكملة لما كتبناه حول خطاب البابا قررنا نشر هذه الحلقات ...

قلنا إننا خصصنا المقال الأول لشرح مقارن لمفهوم الإيمان في الديانات التوحيدية الثلاث، وسنخصص مقال اليوم لعقد مقارنة بين "الإيمان" والإسلام" في الدين الإسلامي. وبما أن هدف البحث الذي نستقي منه هذا المقال هو تعريف غير المسلمين بالموضوع، فقد كان من الضروري الاعتماد على القرآن أساسا وليس على كتب الفرق والنحل التي يعرف المستشرقون مضامينها وقد عرضوها في مؤلفاتهم، بينما لا يعرف "المراؤون" ... غير بعض أسمائها ربما عن سماع، والله وأعلم.

يميز اللغويون بين الإيمان والإسلام. فالإيمان هو تصديق محله "القلب"، أما الإسلام فهو إعلان الاستسلام ويكون باللسان. ومن هذه المقارنة يستنتجون أن "كل مؤمن مسلم، ولكن ليس كل مسلم مؤمنا". غير أن هذا النوع من التمييز والمقارنة لا يستغرق جميع استعمالات القرآن لهذين اللفظين. فقد وردت آيات تفيد أن الإيمان –لدى بعض الناس- لا يكفي بل لابد من الإسلام، أي لابد من الإذعان الذي يقتضي التوكل على الله. من ذلك قوله تعالى: "وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ" (القصص84). ومثل ذلك قوله: "يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ (يوم القيامة) وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ" (الزخرف68-69)، فانتفاء الخوف والحزن يوم القيامة عن الذين آمنوا (بعيسى عليه السلام)، يتطلب أن يكونوا في الدنيا مسلمين، فالإسلام وضع هنا موضع الشرط. ولكن بمعنى أعم : ففي القرآن : "قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ (لله) مُسْلِمُونَ". فالخطاب هنا موجه إلى محمد (ص) وأصحابه المؤمنين برسالته، يأمرهم أن يؤمنوا كذلك بما أنزل على أنبيائه ورسله السابقين، ويعلنوا إسلامهم أي خضوعهم لله". وتأتي الآية التالية مباشرة لتؤكد: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ" (آل عمران 84-85)، تأتي هذه الآية إذن، لتقرر أن الإسلام بهذا المعنى الواسع، الذي يشمل الدين المنتمي إلى إبراهيم هو وحده الدين المقبول عند الله، الدين الذي قال عنه القرآن في مكان آخر إنه : "مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ" (78-الحج). أما ما حدث من اختلاف بين أبناء إبراهيم في أمور من هذا الدين فذلك منهم، وليس من الله. ذلك قوله تعالى: "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ؟ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ. فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ (العرب المشركون) أَأَسْلَمْتُمْ؟ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ" (آل عمران19-20).

واضح من هذه الآيات أن مفهوم "الإسلام" في القرآن يتسع ليشمل الديانات المتفرعة عن الدين الحنيف، دين إبراهيم، وهي أساسا اليهودية والنصرانية والإسلام، ويضاف إليها في آيات أخرى الصابئون والمجوس (البقرة: 62، المائدة: 69)، وقد اختلف المفسرون في سبب استحقاق الصابئة والمجوس الانتماء إلى دين إبراهيم، منهم من يقول "لهم شبه كتاب" من بقايا دين إبراهيم الخ.

غير أن مفهوم "الإسلام" يضيق في آيات أخري ليفيد مجرد الإعلان باللسان عن الانتماء إلى الإسلام بمعنى الاستجابة للدعوة المحمدية، دون الإيمان بالقلب. كما كان حال بعض الأعراب زمن النبي عليه السلام: قال تعالى "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ" (الحجرات 14). في هذه الآية، إذن، تحديد جديد للعلاقة بين الإيمان والإسلام وفق مقتضى الحال. نزلت هذه الآية والتي بعدها في بعض الأعراب (من سكان بادية المدينة) الذين يقول عنهم المفسرون إنهم أعلنوا أسلامهم وجاءوا إلى المدينة يطلبون من الرسول عليه السلام أن يمنحهم وضعية المهاجرين بكل استحقاقاتها قي الدنيا والآخرة الخ، فجاءت الآيات السابقة ترد عليهم، بأن إعلان إسلامهم بمجرد اللسان لا يكفي بل لابد من الإيمان بقلوبهم برسالة الإسلام، وهذا يتطلب طاعة الله ورسوله، فإن فعلوا ذلك بصدق نية فإنهم سينالون ما يستحقونه ولن يضيع منه شيء. ثم حدد القرآن بعد ذلك، ودائما في نفس السياق، الخصال التي تجعل المسلم يرتفع إلى مستوى من الإيمان يستحق به ما طلبه أولئك الأعراب، فقال تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" (الحجرات 14- 15).

يتضح مما تقدم أن العلاقة بين "الإيمان" و"الإسلام" ليست وحيدة الاتجاه، وبالتالي فليس صحيحا أن كل مسلم مؤمن، ولا أن كل مؤمن مسلم! إن وضعية الشخص هي التي بها تتحدد العلاقة بين هذين المفهومين.

هناك فرق آخر بين الإيمان والإسلام، مماثلا للذي ذكرنا، يخص هذه المرة إمكانية وصف أحدهما، دون الآخر، بكونه يقبل الزيادة والنقصان. ففي القرآن آيات تتحدث عن ازدياد الإيمان وازدياد عكسه الكفر، بينما لا نجد ما يشير إلى هذه الإمكانية بخصوص الإسلام.

من ذلك قوله تعالى: "وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا" ( المدثر 31). فها هنا نص واضح يفيد أن الإيمان يزداد. ولكن ما معنى الزيادة هنا، ومن تقع عليه؟

في الآية السابقة لهذه إشارة إلى أن عدد خزنة جهنم تسعة عشر ملاكا، ثم جاءت هذه الآية لتبين أن المقصود ليس هذا العدد نفسه وإنما المقصود من ذكره هو أن يزداد "الذين آمنوا" معرفة بـ"اليوم الآخر" بإخبارهم بأن في جهنم حراسا من الملائكة عديدين، والعدد "تسعة عشر" يفهمه المؤمن على أنه كناية عن الكثرة، أما الحاقدون على الإسلام والحاسدون للمسلمين والكفار المشركون فسيُفـْتـَنُون وتحار عقولهم ويتساءلون "ماذا أراد الله" بذكر هذا العدد. فالزيادة في الإيمان هنا تعني اكتساب مزيد من المعرفة بموضوع من موضوعات الإيمان التي هي موضوعات تنتمي إلى "عالم الغيب".

وينص القرآن على أن ازدياد الإيمان، بالمعنى الذي ذكرناه، يرفع المؤمن درجات على مستوى الثواب. من ذلك قوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ" (الأنفال 1-4). والمقصود هنا بـ"الآيات"، ليس ألفاظ النص القرآني وعباراته فحسب، بل المقصود أساسا هو المخلوقات والأحداث والعلامات ومعجزات الأنبياء التي تذكرها هذه الألفاظ والعبارات مما له دلالة خاصة، تبرز قدرة الله أو رحمته أو عقابه أو غير ذلك مما ينطوي على زيادة معرفة بهذه المغيبات. وهكذا فذكر الله يبعث الخشية في قلوب المؤمنين، وذكر العلامات التي تدل على قدرته وبديع صنعه واتساع رحمته وشديد عقابه يزيدهم معرفة وتصديقا بوجود الله ويدفعهم إلى التوكل عليه والقيام بالفرائض التي فرضها عليهم فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة الخ، وبذلك يكتسبون صفة المؤمن الحق، الذي ترتفع درجة التصديق عنده إلى مستوى اليقين، فيجمع بين التصديق والعمل بما صدّق به، ويستحق بالتالي درجات أعلى عند الله مصحوبة بالمغفرة والرزق الكريم.

وكما يقوى الإيمان بازدياد المعرفة بموضوعات الإيمان يضعف بنقصان درجة التصديق ونزوله إلى مستوى الارتياب الذي يسبب حالة من الحيرة والاضطراب في النفس، يعبر عنها بلغة المجاز بـ "مرض القلب" وتلحقه الزيادة والنقصان. والمصابون بهذا المرض سماهم القرآن بـ "المنافقين"، وقد حدد صفاتهم بقوله : "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ" (البقرة 8-12).

[

waleed

عدد الرسائل : 95
الموقع : تل رفعت
تاريخ التسجيل : 12/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى